محمد الحفناوي
79
تعريف الخلف برجال السلف
الأول وأقام المصدر مقام المفعولين ، كما يقوم مقامهما ما في معناه من نحو أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا « 1 » ، وأقوى من هذا كون المصدر هو المفعول الثاني ، وحذف الثالث اختصارا لدلالة المعنى ، أي : اخال الإعراض كائنا كقولهم : خلت ذلك ، وقد أعربت الآية بالوجهين ، وهذا عندي أغرب ، ومنه قول القضاة : أعلم باستقلاله ، أي : أعلم الواقف عليه بأنه مستقل ، فحذفوا الأول ، وصاغوا المصدر مما بعده . المقّري : شهدت مجلس أبي تاشفين صاحب تلمسان ، ذكر فيه أبو زيد ابن الإمام أن ابن القاسم مقلّد لمالك ، ونازعه أبو موسى عمران المذكور ، وادّعى أنه مطلق الاجتهاد ، واحتج بمخالفته لمالك في كثير ، وذكر منه نظائر ، قال : فلو قلّده لم يخالفه لغيره ، فاحتجّ أبو زيد بنصر الشرف التلمساني أنه مثّل مجتهد المذهب بابن القاسم في مذهب مالك ، وبالمزني في مذهب الشافعي ، ومحمد بن الحسن في مذهب أبي حنيفة ، فأجابه عمران بأنه مثال ، والمثال لا يلزم صحته ، فصاح عليه أبو موسى ابن الإمام وقال لأبي عبد اللّه بن عمر : تكلّم ، فقال : لا أعرف ما قاله هذا الفقيه ، والذي ذكره أهل العلم أنه لا يلزم من فساد المثال فساد الممثّل ، فقال أبو موسى للسلطان : هذا كلام أصولي محقق ، قال المقّري : فقلت لهما وأنا يومئذ حديث السّنّ : ما أنصفتماه ، فإن المثل كما يؤخذ على جهة التحقيق ، يؤخذ أيضا على جهة التقريب ، ومن ثم جاء ما قاله ابن أبي عمرو ، كيف لا وهذا سيبويه يقول : وهذا مثال . ولا يتكلم فيه ، فإذا صح أن المثال يكون تقريبا لم يلزم صحة المثال ، ولا فساد الممثّل بفساده ، فالقولان من أصل واحد ا ه . بنقل ابن الخطيب في « الإحاطة » . قلت : وبنحو ما استدل به عمران على اجتهاد ابن القاسم من مخالفته لمالك ، استدل ابن عبد السلام لذلك ، وتعقبه ابن عرفة بأنه مزجى البضاعة
--> ( 1 ) سورة العنكبوت : الآية 2 .